ابن عجيبة

74

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أما العمل القلبي : فهو الإيمان أولا ، والمعرفة ثانيا ، فما دام العبد محجوبا بشهود نفسه ، محصورا في الأكوان وفي هيكل ذاته فهو مؤمن بالغيب ، يؤمن بوجود الحق تعالى ، وبما أخبر به من أمور الغيب ، يستدل بوجود أثره عليه ، فإذا فنى عن نفسه وتلطفت دائرة حسه ، وخرجت فكرته عن دائرة الأكوان ، أفضى إلى الشهود والعيان ، فصار الغيب عنده شهادة ، والملك ملكوتا ، والمستقبل حالا ، والآتي واقعا ، وقد قلت في ذلك : فلا ترضى بغير اللّه حبّا * وكن أبدا بعشق واشتياق ترى الأمر المغيّب ذا عيان * وتحظى بالوصول وبالتّلاقى وفي الحكم : « لو أشرق نور اليقين في قلبك لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها ، ولرأيت بهجة الدنيا وكسوة الفناء ظاهرة عليها » . وقال في التنوير : ولو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان ، ولأشرق نور الإيقان فغطى وجود الأكوان . ه . وإنما اقتصر الحق تعالى على الإيمان بالغيب لأنه هو المكلف به ؛ إذ هو الذي يطيقه جل العباد ، بخلاف المعرفة الخاصة فلا يطيقها إلا الخصوص ، واللّه تعالى أعلم . وأما العمل البدني : فهو إقامة الصلاة ، والمراد بإقامتها إتقان شروطها وأركانها وخشوعها ، وحفظ السر فيها ، قال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : ( كل موضع ذكر فيه المصلون في معرض المدح فإنما جاء لمن أقام الصلاة ، إما بلفظ الإقامة ، وإما بمعنى يرجع إليها ، قال تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ، وقال تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ * ، وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ ، ولما ذكر المصلين بالغفلة قال : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل : فويل للمقيمين الصلاة ) . وأما العمل المالى فهو الإنفاق في سبيل اللّه واجبا أو مندوبا ، وهو من أفضل القربات ، يقول اللّه - تبارك وتعالى - : « يا ابن آدم أنفق ، أنفق عليك » ، وفي حديث آخر : « أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا » ، وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « إنّ في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها . قيل لمن هي يا رسول اللّه ؟ قال : لمن أطعم الطعام ، وأفشى السلام ، وصلى باللّيل والناس نيام » . وقال أيضا صلى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه - عز وجل - ليدخل باللقمة من الخبز والقبضة من التمر ومثله ممّا ينتفع به المسكين ثلاثة ، الجنة : رب البيت الآمر به ، والزوجة تصلحه ، والخادم